زكريا القزويني

274

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

( وأما قيافة الأثر ) فالاستدلال بآثار الأقدام والخفاف والحوافر ، وقد اختص هذا الاستدلال بقوم في المغرب أرضهم ذات رمل ، فإذا هرب منهم هارب ، أو دخل عليهم سارق تبعوا آثار قدميه حتى يظفروا به ، ومن العجب ما حكى أنهم يعرفون أثر قدم الشاب من الشيخ والرجل من المرأة والغريب من المتوطن . ( ومنها نفوس الكهنة ) وهي نفوس تتلقى الروحانية وتكتسب أحوال الكائنات التي تدل عليها المنامات وغيرها من الحادثات . حكي أن ربيعة بن نصر اللخمي رأى رؤيا هائلة ، فبعث إلى أهل مملكته سأل عن تفسيرها ، فقالوا : ليبعث الملك إلى سطيح وشق فلا يجد أعلم منهما ، فبعث إليهما فقدما ، فقال الملك لسطيح : رأيت رؤيا هالتني فأخبرني بها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها ، فقال سطيح : رأيت جمجمة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض نعمة فأكلت منها كل ذات جمجمة . فقال الملك : ما أخطأت منها شيئا فما تأويلها ؟ فقال : ليهبطن بأرضكم الحبش وليملكن ما بين أبين وجرش ، فقال الملك : يا سطيح إن هذا الغائظ فأخبرني متى هو كائن أفي زماني أم بعده ؟ فقال : بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين تمضين من السنين ، ثم يقتلون بها أجمعين أو يخرجون منها هاربين ، فقال الملك : ومن الذي يملك قبلهم ؟ قال : ابن ذي يزن يخرج عليهم من عدن ولا يترك منهم أحدا باليمن . قال الملك : أيدوم ملك ذلك أم ينقطع ؟ قال : بل ينقطع ، قال : ومن يقطعه ؟ قال : نبي زكي كريم عظيم يأتيه الوحي من قبل العلي ، قال الملك : ومن هذا النبي ؟ قال : رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر ، قال : وهل للدهر من آخر ؟ قال : نعم ، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون ، ويسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون ، قال : أحقّ ما تخبر به ؟ قال : نعم ، والشفق والقمر إذا اتسق إن ما نبأتك به الحق . فلما فرغ من حديثه دعا بشق وخاطبه مثل ما خاطب سطيحا ، وكتم جواب سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان ؟ فقال شق : رأيت جمجمة خرجت من ظلمة ، فأكلت منها كل ذات نسمة ، فعلم الملك اتفاقهما ، فقال : ما أخللت بشيء منها يا شق فما تأويلها ؟ قال : لينزلن أرضكم السودان وليملؤن ما بين نجران ، فقال : إن هذا لغائظ ، فمتى هو كائن في زماني أما بعده ؟ فقال : بعده بزمان ثم ينقذكم منه عظيم ذو شأن ويذيقهم أشد الهوان ، قال الملك : أيدوم سلطانه أم ينقطع ؟ قال : بل ينقطع برسول من الرسل يأتي بالحق والعدل من أهل الدين والفضل ، يبقى الملك في قومه إلى يوم الفصل . ثم إنه اتفق استيلاء الحبشة على اليمن وملوكها إلى أن جاء سيف بن ذي يزن إلى كسرى ، واستنجده فأمده بعساكره برّا وبحرا ، وقتلوا الحبشة قتلا ذريعا ، وأخرجوهم من اليمن وملكها سيف بن